الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
223
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ومنه قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ [ الأعراف : 28 ] . ولا شك أنّ التّعريف هنا تعريف الجنس ، أي فعلوا الفواحش ، وظلم النفس هو الذنوب الكبائر ، وعطفها هنا على الفواحش كعطف الفواحش عليها في قوله : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ * [ النجم : 32 ] . فقيل : الفاحشة المعصية الكبيرة ، وظلم النّفس الكبيرة مطلقا ، وقيل : الفاحشة هي الكبيرة المتعدية إلى الغير ، وظلم النّفس الكبيرة القاصرة على النّفس ، وقيل : الفاحشة الزنا ، وهذا تفسير على معنى المثال . والذكر في قوله : ذَكَرُوا اللَّهَ ذكر القلب وهو ذكر ما يجب للّه على عبده ، وما أوصاه به ، وهو الّذي يتفرّع عنه طلب المغفرة ؛ وأمّا ذكر اللّسان فلا يترتّب عليه ذلك . ومعنى ذكر اللّه هنا ذكر أمره ونهيه ووعده ووعيده . والاستغفار : طلب الغفر أي الستر للذنوب ، وهو مجاز في عدم المؤاخذة على الذنب ، ولذلك صار يعدّي إلى الذنب باللام الدالة على التّعليل كما هنا ، وقوله تعالى : وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ * [ غافر : 55 ] . ولمّا كان طلب الصفح عن المؤاخذة بالذنب لا يصدر إلا عن ندامة ، ونية إقلاع عن الذنب ، وعدم العودة إليه ، كان الاستغفار في لسان الشارع بمعنى التوبة ، إذ كيف يطلب العفو عن الذنب من هو مستمرّ عليه ، أو عازم على معاودته ، ولو طلب ذلك في تلك الحالة لكان أكثر إساءة من الذنب ، فلذلك عدّ الاستغفار هنا رتبة من مراتب التّقوى . وليس الاستغفار مجرّد قول ( أستغفر اللّه ) باللّسان والقائل ملتبس بالذنوب . وعن رابعة العدوية أنّها قالت : « استغفارنا يحتاج إلى الاستغفار » وفي كلامها مبالغة فإنّ الاستغفار بالقول مأمور به في الدّين لأنّه وسيلة لتذكّر الذنب والحيلة للإقلاع عنه . وجملة وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ معترضة بين جملة فَاسْتَغْفَرُوا وجملة وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا . والاستفهام مستعمل في معنى النّفي ، بقرينة الاستثناء منه ، والمقصود تسديد مبادرتهم إلى استغفار اللّه عقب الذنب ، والتعريض بالمشركين الّذين اتّخذوا أصنامهم شفعاء لهم عند اللّه ، وبالنّصارى في زعمهم أنّ عيسى رفع الخطايا عن بني آدم ببلية صلبه . وقوله : وَلَمْ يُصِرُّوا إتمام لركني التّوبة لأنّ قوله : فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ يشير إلى الندم ، وقوله : وَلَمْ يُصِرُّوا تصريح بنفي الإصرار ، وهذان ركنا التّوبة . وفي الحديث :